25‏/04‏/2008

عمرو الشوبكي يكتب عن إسراء

المصرى اليوم: "ضحايا الإضراب

بقلم د. عمرو الشوبكي ٢٤/٤/٢٠٠٨

لم يكن يتوقع أكثر المتشائمين أن تقدم الحكومة المصرية علي استخدام كل هذه القسوة، تجاه من دعوا للإضراب الافتراضي الذي احتضنته المواقع الإلكترونية، وكل هذا العنف بحق من قاموا بالإضراب الحقيقي في المحلة الكبري، بعيداً عن بعض التخريب الذي شابه.

ولم يكن يتخيل الكثيرون أن تقدم وزارة الداخلية علي اعتقال شابة صغيرة في عمر الزهور هي إسراء عبدالفتاح، وزميلتها نادية مبروك، رغم قرار النائب العام بالإفراج عنهما، في بادرة تهدم فكرة دولة القانون من أساسها.

ولأني أعرف جيداً إسراء عبدالفتاح، التي كثيرا ماحضرت ندوات سياسية وثقافية، واتسمت تعليقاتها بالحماس والبراءة الشديدة، واعتادت أن تتصل بي من حين لآخر لتعلق علي بعض ما أقول أو أكتب، وأحيانا لخجلها أو كما كانت تقول «لا ترغب في إزعاجي»،

ترسل رسائل علي المحمول وجدت إحداها بتاريخ ٢٢ نوفمبر ٢٠٠٧ قالت فيها: «حقا إن الدولة أعادت الجهاديين إلي الحياة بالإفراج عنهم من السجون، وليس إلي الحياة العامة بالسماح لهم بالمشاركة في المجال العام وفي الحياة السياسية الراكدة، مقال رائع تصف الواقع الحقيقي.. إسراء».

هذا كان واحداً من تعليقاتها علي مقال سبق أن نشرته في «المصري اليوم» علي مراجعات الجهاد، والمفارقة أن الدولة التي أفرجت عن الجهاديين الذين حملوا السلاح، عادت واعتقلت فتاة في عمر الزهور عقاباً علي مشاركتها في الحياة العامة، حتي لوكانت علي الـ «فيس بوك» ومواقع الإنترنت، وعالم افتراضي حملها بعيداً عن قسوة الواقع ولو لبعض الوقت.

والمفارقة أن هذا هو التعليق الذي وجدته لإسراء علي هاتفي المحمول، وفيه تشعر بالغبن لأن هناك بشراً ومواطنين مصريين من أعضاء هذه التنظيمات الجهادية، لا يسمح لهم بالمشاركة في الحياة العامة، رغم أنهم أخطأوا في حق بلدهم وأنفسهم، ولكنهم «تابوا»، وأعلنوا أنهم نبذوا العنف، وقبلت السلطة هذه التوبة وأفرجت عن غالبيتهم العظمي، ولكن بشرط ألا يكونوا جزءاً من أي فعل حتي لو كان خيرياً أو دينياً،

كما فعلت مع باقي المصريين حين حظرت عليهم بطرق كثيرة أي نشاط سياسي أو تطوعي أو اجتماعي مؤثر، وتركت لهم المجال الديني والكروي لينفسوا فيه عن مشاعرهم، إلي أن اكتشفوا أن أصحاب فتاوي إرضاع الكبير لن يرضعوا أطفالهم، وأن «بيزنس» كرة القدم لن يعطيهم خبزاً ولا ماء، فاجتهد كل بطريقته للتعبير عن ململته ورفضه للأوضاع القائمة.

وبالتأكيد إسراء واحدة من هؤلاء فهي ابنه أسرة مستورة الحال لأب كان موظفاً شريفاً، عمل وكيل وزارة «سابق» في التربية والتعليم، ورحل وترك ابنته أمانة بعد أن علمها وأحسن تربيتها، وأم وكيلة مدرسة ثانوي، أما هي، التي تعيش في بنها مع أسرتها،

وتستيقظ كل يوم في الخامسة صباحا حتي تأتي إلي عملها في إحدي الشركات في القاهرة، فنموذج لفتاة مكافحة مثل ملايين المصريين، تعمل وتعرق من أجل لقمة العيش، ولكنها تختلف عنهم في أنها قررت أن تكون فتاة طبيعية مكتملة المشاعر الإنسانية وتهتم بالقضايا العامة.

ولأن والدها خدم وطنه عشرات السنين بنزاهة وشرف، وعلم أجيالاً، كافأته حكومته بعد وفاته بأن اعتقلت ابنته ذات الـ ٢٦ ربيعا. ولأن الاهتمام بالشأن العام محظور علي المصريين، ولأن إسراء بنت أسرة مازالت مؤمنة بدور العلم والتعليم، ولم يكن من بينهم من أعطي المصريين دماء أو لحوماً أو أدوية فاسدة أو مغشوشة حتي ترعاهم الحكومة،

وليس من بينهم محتكر للحديد أو محتال علي البنوك أو قاتل للمصريين في عرض البحر حتي يراعي الحكم خاطرهم، فكان قرار اعتقالها سهلاً ويسيراً ودون أي رادع.

لقد افترست الحكومة الفتاة الشابة متصورة أنها مسؤولة عن إضراب لم يحدث في الواقع، ولكن تأثيره النفسي والمعنوي فاق كل الحدود، وسيتكرر مرة أخري وربما مرات، سواء كانت إسراء حرة طليقة أم لا، لأن ما جري في المحلة ليس له علاقة بنشطاء الإنترنت أو من تبقي من السياسيين،

كما أن ما يجري كل يوم من إضرابات هو من أجل مطالب فئوية تتعلق بتحسين الأجور وظروف العمل، وإذا حدث وتحولت إلي مطالب سياسية فستكون غير منظمة وعنيفة، ولن يكون وراءها لا حركة كفاية ولا الإخوان المسلمين، ولا إسراء عبدالفتاح.

من المؤكد أننا إذا كنا نعيش في بلد آخر فيه نظام سياسي لا يتمتع مثلنا بديمقراطية كاملة، ولكنه كفء ولديه حس سياسي ووسائل أخري للتعامل مع الناس غير عصا الأمن الغليظة، لكوفئت إسراء علي نشاطها، فالكارثة أنك إذا أردت أن تفعل شيئا، أي شيء،

وفي أي مجال، ويشتم منه أنك ستؤثر في دائرة أوسع من ١٠٠ شخص، فأنت ملاحق وعلي الأرجح ستعاقب، بصرف النظر عن مضمون ما تفعله، حتي لو كان لوجه الله أو من أجل العلم وخدمة الناس ولا علاقة له بالسياسة، فقد نفهم قلق الدولة من السياسة ومن التنظيمات السياسية،

ولكن لا أفهم أن تحاصر كل العمل الأهلي والتطوعي، حتي لو تحدث في قضايا اجتماعية أو فكرية أو دينية (غير الفتاوي البلهاء)، فأي ندوة ذات قيمة محظورة في الجامعات المصرية بقرارات الأمن، والتسطيح والبلادة مقررات مفروضة علي الجميع،

وإذا أردت أن تضيف شيئا ذا قيمه فلابد أن تكون بعيداً عن كل ما هو رسمي وحكومي، فجيل إسراء الذي ينتظره مستقبل «باهر» علي يد قادة الفكر الجديد مسوغات نجاحه تتطلب أن يكون فهلويا ويكره السياسة، وليس له علاقة بالعمل العام،

ويفضل أن يكون قد بدأ حياته مخبراً كبيراً يتجسس علي زملائه أثناء فترة الدراسة، أما إذا كان مثل إسراء وآلاف مثلها فبالتأكيد لن يكون لهم مكان في ظل الحكم الحالي، لكن عليهم أن يتوقعوا مكاناً مرموقاً ودوراً قادماً حين تستعيد الدولة رشدها وتقرر التمييز بين شباب التنظيمات المتطرفة (إن وجدوا)،

وبين هؤلاء الشباب الرائع الذي ينبض بالحيوية والذكاء، ويمتلك هذا الحس الناقد لأوضاعنا المتردية، لأنه حين يستوعبه نظام عاقل في ساحة الشرعية السياسية والنقابية، سيدفعه بمحض إرادته أن يطور ويراجع بعضاً أو كثيراً من أفكاره،

ولكن حين نضعه في غياهب السجون، نقضي علي مستقبل وطن وشعب، لم يعودا يعنيان شيئا لكثير من مسؤولينا.

لكي لا ننسى دم أحمد علي مبروك