
أعود للكتابة بعد توقف عن كتابة مدونات جديدة منذ نحو شهر تقريبا
مرات أتساءل عن جدوى الكتابة أو جدوى التعبير بالكلمات
وساعات أشعر بعبثية ما أكتبه وكأنني أؤذن في مالطة
أعتقد أنني لست وحدي من أشعر بهذا الشعور المحبط بعدم جدوى أي شيء في هذا البلد
ولكنني أتذكر كلمات الراحل صلاح جاهين التي غناها الرائع محمد منير قائلا
في البدء كانت كلمة الرب الاله
..خلقت حياه
..و الخلق منها اتعلموا
..فاتكلموا
..الكلمة إيد
.. الكلمة رِجل
.. الكلمة باب
..الكلمة نجمة كهربية في الضباب
..الكلمة كوبري صلب فوق بحر العباب
..و الجن يا أحباب ما يقدر يهدمه
فاتكلموا .. اتكلموا .. اتكلموا
في النهاية سنموت ويبقى الكلمة
سنترك العالم ويبقى الكلمة
في البد كان الكلمة وفي النهاية سيبقى الكلمة
لذا أعود من جديد وأتكلم
أعود من جديد وأتكلم
فالكلمة تأتي بالحياة وتأتي بالنور وتأتي بشعاع أمل وحيد لهذا العالم الشديد الظلمة الحالك السواد
أحد أسباب عدم تحمسي للكتابة هو الملل... ليس الملل من الكتابة ولا الملل من الكلام... ولكن الملل من تكرار الكلام عن نفس المرض ... عن نفس الخيبة.. عن نفس الهراء والعبث الذي نحياه ليل نهار... الملل من تشخيص نفس الداء مرارا وتكرارا ووصف نفس الدواء مرارا وتكرارا... والمريض هو بعينه بغباوته!!! يرفض أصلا الاعتراف بالمرض أساسا ومن ثم يرفض أي احتمال لتعاطي الدواء أو البدء في خطة العلاج!! أكتب عن نفس المريض المسمى الوطن
أكتب عن نفس الداء وعن نفس الدواء
أكتب عن وطن يحيا في حالة من الفصام
أكتب عن وطن يترنح كترنح السكران في قيئه وهو يصر على رفض الاعتراف بأن ما فيه هو محض هراء
أكتب عن بلدي التي صارت من فرط المرض هزيلة متهرئة
أكتب عن مصر عن بهية التي صارت مثلا بين الأمم في هوانها وهزالها
أكتب عن مصر التي...
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء
واسيبها واطفش في درب وتبقى هي ف درب
وتلتفت تلقيني جنبها في الكرب
والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب
على اسم مصر دي باكتب
على اسم مصر اللي كتب عنها صلاح جاهين كلماته السابقة سأظل أكتب
وسنظل نفتح خراريجها وسنظل نأمل بتفريغ كل قيح وكل صديد من داخل كل خراريجها رغم أنف كل الكارهين
كتبت كثيرا وقلت كثيرا عن عبثية الحياة في مصر
تكلمنا كثيرا عن الانحطاط الحادث في المحروسة حتى أسميناها المخروبة من هول ما وصلت إليه من تردي تعجب له الأعداء قبل الأصدقاء
ألد أعداء مصر لم يكن يتمنى لها مصيرا كالذي آلت إليه الآن
صدق رئيسنا "الحكيم" عندما قال متحدثا عن "إنجازاته" في خمسٍ وعشرين سنة - هي مدة الحكم المؤبد المحكوم به عليها حتى الآن - إن اللي اتعمل في مصر ما حصلش من أيام محمد علي!! وإن كنت أضيف لفخامته أن اللي اتعمل فيها - رحمة الله عليها - ما اتعملش من يوم ما سموها مصر!! اللي اتعمل فيها يصعب على دين أم الكافر والملحد واللي مافيش لأمه ملة ولا دين!! عليكي رحمة الله يا مصر
كتبت فيها عن أبي الذي أهين وجرح واعتدي على كرامته في مصر الأمن والأمان
أبي رجل الدين المسيحي الذي اعتدى عليه بضع مئات من مواطني المحروسة لأسباب دينية بحتة
وأشرت إلى أن الأزمة ليست هي أزمة قلة سافلة اعتدت على رجل دين وهو أمر ليس بالجديد!!
وأكدت أن مكمن الكارثة هو أن المعتدين هم مصريون مسلمون عاديون جدا جدا
فالاعتداء كما كنت قد رويت تفصيلا قد وقع عليه من الجموع المتزاحمة في شوارع مدينته ليلة الاحتفال برؤية هلال شهر رمضان المبارك
وتلك الجموع كانت مجرد عينة عشوائية من جماهير الأمة تمثل أغلبية المصريين المسلمين في بلادي
وعلى الرغم من أن عنوان المدونة كان استفزازيا استنكاريا
(أهذا هو إسلامكم؟ شكرا!)
إلا أن قضيتي لم تكن بالقطع الطعن في الإسلام
بل تشخيص مرض أصاب أغلبية هذا الشعب ولم تكن الكثير من أعراضه قد طفحت على السطح بعد
وحتى سؤالي لم يكن تقريريا بل كان استنكاريا
والأزمة التي أصررت على توصيفها على نحو صائب كانت هي أن هذه هي الأغلبية
هؤلاء المهووسون هم ممثلو الشعب المصري بكل أسف
بعد مرور شهر على تلك الحادثة التي لم يصدقها البعض واتهموني بالكذب والاختلاق والتلفيق وسوء النية المبيت بالإسلام دينا ومتدينين حدثت أحداث السعار الجنسي بوسط البلد التي تحدث عنها أولا وائل عباس في وعيه المصري ومالك في مدونته ثم نقل عنهما تقريبا معظم المدونين وحتى جريدة الدستور المصرية بل والأهرام الحكومية وتحدث الجميع عن الموضوع بين شهود عيان ومؤكدين للواقعة ولصحتها وبين إنكار رسمي أهطل وهجوم سافل على من نشروا خبر تلك الأحداث وعلى المدونين عموما
والقضية كما هو واضح واحدة في الحادثتين
هي حالة مرضية مرعبة أصابت الشارع المصري بأغلبيته العادية جدا جدا
ثمة كارثة ومصيبة أصابت عموم المصريين
الأمر يعجز كبار السيكولوجيين والسوسيولوجيين عن تحليله وتفسيره
وأما أنا فقد مللت من التفسير والتحليل
قالها عمر قناوي يوما... مصر تحيا زمن الانحطاط في كل شيء
وقالها حسني مبارك قبله كما قلنا في البداية... اللي اتعمل في مصر ما اتعملش - لا مؤاخذة - فيها من أيام محمد علي
يمكن يقصد أنه من أيام مذبحة القلعة بتاعة محمد علي محدش طلع دين أم المماليك - اللي هم احنا - زي ما هو عمل؟ أكيد دا اللي يقصده كرم الله وجهه
ماذا يقال في هذا الهراء الحالي؟ هذا الواقع العبثي أكثر سخرية وأشد عبثية من قدرة أي كاتب مسرحي عبثي على تخيل مثله
من جديد أتفلسف وأحلل وأفسر وأدلي بدلوي من جديد في هذا المستنقع وأحاول أن أضع يدي معكم على موطن الداء
في اعتقادي أن الكلمة المفتاحية والتشخيص المبدئي هو الفصام
نعم الفصام
ليس الفصام فقط كما هو شائع عند العامة وكتاب السيناريوهات الدرامية الخايبة أنه ازدواج الشخصية
ولكنه في أدق وأبسط توصيف متخصص له هو التفسخ في الشخصية
تفسخ على جميع الأبعاد
الذهنية والوجدانية والإرادية
هي حالة تتخاصم فيها الأفكار صغيرها وكبيرها وتتصادم مع بعضها في عدم انسجام وتنافر مرعب
هي حالة يمكنك أن تؤمن فيها بكل المتناقضات في ذات اللحظة الواحدة
هي حالة يمكنك فيها أن تكون شديد التدين كما لو كنت على وشك الصعود إلى السماء من فرط التقوى وفي نفس ذات الوقت تسب فيها الله ورسله وأنبياءه وتكفر بكل عقيدة وبكل قيمة أخلاقية وأكرر في نفس ذات الوقت!!! دا كلام علمي يا اخواننا
هي حالة يمكنك فيها أن تفكر كيف تنصر مسلمي الشيشان الذين تنتهك أعراضهم وأعراض نسائهم بينما لا تجد غضاضة في التفكير وتخيل أي امرأة (أي امرأة حتى أمك أو أختك) في حالة مضاجعة معك أو مع أي شخص آخر!!! لا تصدم فقد قلنا أننا نتحدث عن حالة مرضية مرعبة
هي حالة تتميز بأمرين مرعبين أحدهما هو الهلاوس
أي الإدراك الحسي لأمور ليست حقيقية كأن ترى أشياءا لا وجود لها وتسمع أصواتا وهواتف لا وجود لها
والأمر المرعب الآخر هو الضلالات
وهي الاعتقادات الخاطئة التي تؤمن بها يقينا بشكل غير قابل للجدل أو التشكيك أو الزحزحة
وهلاوسك وضلالاتك قد تتنوع وتتباين بشكل مرعب أيضا
فقد تكون ذات طابع جنسي كما في حالة أحداث الأسبوع الماضي
أو ذات طابع ديني كحادثة الاعتداء على أبي القسيس الشهر الماضي
أو ضلالات العظمة أو ظلالات الاضطهاد أو غيرها الكثير وكذا الهلاوس أيضا
في حالتك الفصامية هذه عزيزي المجتمع لن تُفَرِّق بين الواقع والخيال
وستذوب الفواصل بينهما
فترتكب التحرش الجنسي الجماعي وأنت متخيل أنك في حلم لذلك فعندما تفيق على الكارثة التي ارتكبتها ستنكرها وتستنكرها بشدة بل وبصدق فأنت تعلم على اليقين أنك لم تفعلها لأنك طاهر وهتفضل طاهر (يا ام المتطاهر رشي الملح سبع مرات) وستعلن أن من رأوك وأن تفعل ما فعلت هم شوية عيال وسخة كدابين بيفتروا عليك ويضطهدوك يا عين أمك
وستحلم وتستغرق في أحلامك وتخيلاتك التي لا يصدقها سواك بأنك قديس أو ولي من أولياء الله وأنت أفسد خلق الله
في هذه المنظومة الفصامية عزيزي المجتمع ستذهب إلى الكنائس كثيرا وإلى الجوامع أكثر وستصلي بشكل ملفت للنظر وستتدين بشكل غير طبيعي والبعض منك سيتصورون ليس فقط أنهم مبعوثو العناية الإلهية بل أنهم هم أنفسهم الذات الإلهية.... لا تكفرني أرجوك!!! أنا أتحدث كما قلت عن حالة مرضية مكتوبة في الكتب
ولأنك فصامي عزيزي المجتمع فمشاعرك هي الأخرى ستكون متفسخة
فستحب مسلمي الشيشان والبوسنة وتتعاطف مع المحجبات المضطهدات في فرنسا ولكنك في الوقت ذاته عزيزي المجتمع ستلعن سنسفيل أبو مصر (التي هي لعلمك إسلامية) وستقول طظ في مصر وأبو مصر واللي ف مصر
والغريب أن أحدا لن يشكك في إسلامك عندها... فقط سيهاجمك أعداءك لقلة وطنيتك!!!
ومسيحيوك أيها المجتمع سيصفقوا لاسم السفير الأمريكي في احتفال العيد بالكاتدرائية الكبرى ولا يصفقوا لجمال مبارك نكاية في النظام على أساس إن أمريكا مسيحية ومصر كافرة وستحب أمريكا وتكره مصر وتكره نفسك وتكره أم اللي جابتك
ولأنك مريض بالفصام عزيزي المجتمع فستحب عمرو موسى وتكره إسرائيل لكنك أيضا ستنعل سنسفيل أم الفلسطينيين لأنهم ولاد كلب طبيعتهم وحشة ونفسيتهم سودا وباعوا أرضهم و يستاهلو اللي يجرالهم وستلعن دين أم حسن نصر الله لأنه شيعي كافر
ولأنك فصامي عزيزي المجتمع فستتكلم كثيرا عن حد الزنا في الإسلام وإنه مشاكلنا كلها هتتحل لو طبقنا الحد في حين أنك - عزيزي المجتمع - بتنام - لا مؤاخذة - مع مراة جارك أو على الأقل نفسك تعملها
ولأنك فصامي عزيزي المجتمع فستذهب إلى ندوات عمرو خالد وتستشيخ فيها وتعمل ندوات دينية انت كمان ويطلع إنك في الآخر معاشر واحدة في الحرام ومخلف منها ومش عايز تعترف بما خلفته منها ولا حتى تعمل تحليل الدي إن إيه
ولإنك فصامي عزيزي المجتمع هتسب وتلعن في سنسفيل النظام والرئيس وابنه وعيلته كلها عشان حكمهم دكتاتوري كخة... وبعدين عادي تروح تقبض بكرة من العقيد القذافي وتحتفل على صفحات جرايدك بثورة فاتحه
العظيمة لأنه مثال الديموقراطية ومش ناوي يقعد ابنه على حجره ولا ممسكه حكم بلدهم الفعلي
ولأنك فصامي عزيزي المجتمع هيكتب فيك مثقفون عن حرية المرأة وعن الدفاع عن حقوقها وكل الحنجوري ده وبالرغم من كدة بيختنوا نساءهم وبيخونوا زوجاتهم وبيبصوا للمرأة اللي بيدافعوا عنها على أنها مزة ومكنة جامدة أوي
وسيدافع مثقفوك يا مجتمع يا فصامي يا مريض عن حرية العقيدة وعن جهل وتخلف السلفيين اللي بيكفروا المجتمع بينما عند أول اختلاف معهم سيعلن من ينهضون الوعي المصري أنهم يتحملوا وزر تكفيرك أمام الله لأنك بتضايقهم بكلامك اللي قد يكون فيه إحتمال إنه بيحمل اتهاما غير مباشر لمعتقداته
شوف يا مجتمع يا فصامي يا حبيبي إنت لازم يا بابا تعترف إنك مريض ومحتاج علاج متخصص
ولازم كهربة وكيمية دماغك تتظبط
ولازم تبدأ العلاج وإلا هتروح في شربة مية
بس حاسب!!!!!! حتى شربة المية ممكن تموتك!!! مش لأن فيها كوليرا لا سمح الله... بس هي المجاري فتحت على مياه الشرب كم قال وزير صحتك... يلا اشرب في صحتك يا مجتمع.... تشييييييييييرز
(ملحوظة: اللوحة اللي فوق دي من أعمال السيريالي المبدع سلفادور دالي وهي من أفضل ما يعبر عن حالة الفصام التي أقصدها)ـ